ابن رشد
185
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
تدل دلالة قطعية إذا انفردت . إذ كانت ليست فعلا من أفعال الصفة التي بها سمي النبي نبيا . وأما القرآن فدلالته على هذه الصفة هي مثل دلالة الإبراء على الطب . ومثال ذلك لو أن شخصين ادعيا الطب ، فقال أحدهما : الدليل على أني طبيب أنى أسير على الماء ، وقال الآخر الدليل على أنى طبيب أني أبرئ المرضى . فمشى ذلك على الماء وأبرأ هذا المرضى ، لكان تصديقنا بوجود الطب للذي أبرأ المرضى ببرهان ، وتصديقنا بوجود الطب للذي مشى على الماء مقنعا . ومن طريق الأولى والأخرى . [ 281 ] ووجه الظن الذي يعرض للجمهور في ذلك : أن من قدر على المشي على الماء ، الذي ليس من صنع البشر فهو أحرى أن يقدر على الإبراء الذي هو من صنع البشر . وكذلك وجه الارتباط الذي بين المعجز الذي ليس هو من أفعال الصفة ، والصفة التي استحق بها ( 62 / ظ ) النبي أن يكون نبيا ، التي هي الوحي . ومن هذه الصفة هو ما يقع في النفس : أن من أقدره اللّه على هذا الفعل الغريب وخصه به من سائر أهل وقته ، فليس يبعد عليه ما يدعيه من أنه قد آثره الله بوحيه . [ 282 ] وبالجملة متى وضع أن الرسل موجودون ، وأن الأفعال الخارقة لا توجد إلا منهم ، كان المعجز دليلا على تصديق النبي . أعني المعجز البراني الذي لا يناسب الصفة التي بها سمي النبي نبيا . [ 283 ] ويشبه أن يكون التصديق الواقع من قبل المعجز البراني هو طريق الجمهور فقط ، والتصديق من قبل المعجز المناسب ، طريق مشترك للجمهور والعلماء . فان تلك الشكوك والاعتراضات التي وجهناها على المعجز البراني ليس يشعر بها الجمهور . لكن الشرع إذا تؤمل وجد أنه إنما اعتمد المعجز الأهلي والمناسب ، لا المعجز البراني . * * * وهذا الذي قلناه في هذه المسألة كاف بحسب غرضنا ، وكاف بحسب الحق في نفسه .